جيل المستقبل

Bienvenue
 
الرئيسيةالرئيسية  2020  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 قراءة في أبجديات رعد فاضل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبوجهاد32
Admin
avatar

عدد المساهمات : 286
نقاط : 801
تاريخ التسجيل : 04/09/2008
العمر : 28

مُساهمةموضوع: قراءة في أبجديات رعد فاضل   الثلاثاء أبريل 19, 2011 7:51 am


























محنة الكتابة في مخطوطة المحنة
أ.د. بشرى البستاني
-قراءة في أبجديات رعد فاضل
.
.
شعر الإنسان بالاغتراب حالما نبضت روحه في الجسد ، وظل من حيث يشعر أو
لا يشعر يقاوم هذا الشعور بالتناقض بين النفحة الإلهية والطين بأشكال شتى
، ثم تلاها النفي خارجا من الجنة وهابطا إلى الأرض بعد صنعه قرارا حسبه
اختيار الحرية فكان الاغترابَ والتشيؤ ، تلك هي المعضلة التي نهضت بأول
إشكالياته الأزلية التي حملت في وعيه تراجيديا وجوده الآدمي ، روح تشده نحو
السمو والتعالي ، وحواس تأخذه نحو المتع القريبة ، الأولى صعبة المراس
تحتاج إلى مجاهدة للصعود ومقاومة الجاذبية الكامنة في طبيعة الأرض والأشياء
المادية المترامية عليها ، والثانية سهلة متاحة تجره باستمرار نحوها بكل
ما في زينتها من غواية وإغراء .
وظلت وسائل مقاومة الاغتراب في تطور دائم مع تطور الحياة حتى وصلت أرقى
مراحلها في الأديان والفنون ومختلف الأعمال التي تشعره بالتوازن من خلال
تحقيق الانسجام بين طموحه وواقعه من جهة ، وبين ما يصبو إليه وما يحوزه من
عوامل تمكنهُ من وعي ذاته وإدراك ما حوله ، كما تمكنه من مقاومة حالات
الصراع الناجمة عن فقدان التلاؤم والمصالحة مع ذاته او مع مجتمعه أو كليهما
معا ، بسبب فقدان التوازن مع الحياة الناجم عن هيمنة عوامل السلب وغياب
إمكانية التعويض التي تجعل من التحقق وتمكن عوامل الإيجاب التي تساعده على
المقاومة أمرا متاحا ، وذلك كله يتعلق بعمق الوعي وانفتاح الرؤيا ، فكلما
حضر الوعي بعمق زاد الشعور بالاغتراب ، وكلما انفتحت الرؤيا أكثر زادت
إمكانية المقاومة حضورا ، مقاومة الاغتراب الداخلي وعوامل السلب الخارجي
معا ، إذ مقاومة أحدهما تعني مقاومة الآخر ، لكن ذلك لا يتم إلا من خلال
صراع دائم بين عوامل الحضور والغياب ، بين تحقق الوجود والشعور بالعدم ، إذ
لا يتحقق الانسجام الا من خلال القيمة المعنوية التي يبحث عنها الإنسان
عموما والفنانون والشعراء بوجه خاص ، كل حسب رؤيته وما يمتلك من قوى ذاتية
وفنية يحشدها لتحقيق خلاصه في الحضور الذي يتشكل في فتنة الفن وجوهره
وجمالياته ، مقاوما الزمن التعاقبي وفناءه إلى زمن الشعرية الذي لا ينصاع
لقيود أو حدود .
إن الصراع مع الزمن كان وما يزال يشكل جوهر دراما الإنسان الأزلية ،
فالزمن هو الذي يمضي بنا نحو المفاجآت والصراعات والمخاطر والفقدان والموت
في النهاية ، لكن عوامل الصراع اليوم في تزايد واحتدام لأنها غدت كامنة في
ألوان شتى من الاستلاب الإنساني ، في القهر والجوع والقتل والتنكيل
والحرمان ، في مداهمة البلدان والأوطان ونهبها والبطش بها من قبل قوة قاهرة
لا قدرة للملايين العزلاء على ردها ، من هنا يكون حضور اليأس والشعور
بالعبثية والعدم أمرا مفروضا ، لكن الفنان لا يستسلم لليأس ولا يُسلمه
فنَّه ، لأنه يحب الحياة ويحب كل ما يؤدي إليها ويعمل على ازدهارها
وتواصلها ، ولذلك كان الصراع من أجل الحلم قضية مشروعة ، بل هو جوهر القضية
أصلا ، ولذلك كانت الكتابة من أسمى عوامل مقاومة العدم لقدرتها الفائقة
على الاصطراع مع كل ما يعادي الإنسان وينفي الوجود ويحاول دحر الحياة ، وهي
في مقاومتها الباسلة لا تسير على الورد في طرق معبدة ، بل هي تلتحم مع أشد
عناصر الشر قسوة وصلابة كونها تقاوم موت الحياة في الحياة ، تقاوم التشيؤ
والاعتياد وغياب الدهشة والحضور وبرود اللغة وانصياعها للتراكم والقدم
واستسلامها للمتوقع الاعتيادي . من هنا تكون مهمة الشاعر شاقة وعسيرة عسر
المسؤولية الملقاة على عاتقه في بث الحيوية وإشاعة النور أينما وجد الظلام ،
ولذلك يجمع المبدعون على كون الكتابة وجعا وجهدا ومكابدة . ويروق لي الآن
أن أتساءل مع الشاعر رعد فاضل : ( 1 )
سماء هذه ،
أم غابة من شِباك ..
فاعرف ،
اعرف إلى أين تبعث طير الكتابة يداك .. ص180 .
وأقول لرعد الشاعر ..في قراءة ما ، هي غابة من شباك تبدو سماء لشدة اشتباك
عناصرها وإيغالها في البعد كونها فضاء للطيران ، وغموض تشكيلها ، وجمال
مثيراتها وما تبعثه في النفس من ريبة وفي الفكر من تشظ وانثيالات ، ولكنك
لم تتساءل أيها الشاعر المعتّق وأنت تتجول في فيافيك وبساتين حبك وتأملاتك
وانبهاراتك ، لم تتساءل .. أي سماء هذه التي تتراءى غابة من شباك أخيلةٍ ،
ومصائد محن وزحام مباهج وتداخل حسرات ومواجع ، أهي سماء الكتابة كتابتك ،
أم هي سماء القراءة : قراءتي ، وكم سماء ستغدو في رؤى قراءات غيري ، وإلى
أي قارئ ضمني كنت تتوجه بالكتابة وأنت تلعب بالكلام لعبة من أحكم الرؤى
ولم يخنه التشكيل ، هكذا متقنا فن التشويق داخل اللعبة ، لكن أي تشويق
ويداك تعرفان إلى أين تبعثان طير الكتابة ، وأنت واثق أصلا بان لكتابتك
طيرها الذي على الشاعر أن يعرف رسم طرق طيرانه ، لأن يديه هما باثتا
الإرسال وهما محكومتان بدراما المعرفة يضرمها تكرار فعل الأمر : اعرف ،
اعرف منطلقا من كون المعرفة هي أساس كل لذة ، كما أنها أساس كل محبة وكل
جمال ، وتكرار الفعل اعرف تأكيد على أهمية إدراك مخاطر الرحلة الصعبة ما
بين تحقق التجربة الفنية و نجاحها ، فليس المهم أن يكتب المبدع ، لكن
المهم أن يعرف ماهية هذه العملية الصعبة بوحا وإبلاغا ، وكيف كنت توازي
بين سماء الكون التي رأيتها غابة من شباك صيد ، إذ تحولت لسماء فنية هي
سماء الإبداع وحده وبين طير الكتابة المعلق بين الانسياب خلاصا من المصيدة ،
وبين الوقوع في الشباك ، وهو أصلا خلاص المبدع والقارئ معا ، وكم هي
محيّرة ومعبرة هذه الغابة من الشباك ، إذ كيف سينجو المغامر فيها ، وما هي
سمات المتلقي الذي يرسل مبدعنا إليه طير كتابته وهي كتابة كد وولع واختيار ،
وقد فعلها من قبلُ محمود درويش وهو يطلق طيره بإحكام ، مراقبا إياه في
رحلته الإبداعية فاعلا ما لم تستطع الأرض فعله ، في حوارية ذاتية ، وبث
وإبلاغ جمالي مع المتلقي الذي يدرك سر اللعبة : ( 2 )
لا ارض فوق الأرض تحملني
فيحملني كلامي
طائرا متفرعا مني ، ويبني عش رحلته أمامي
لكن درويش يخصص فعله كونه كلاما ، أما رعد فاضل فيخص هذا الفعل بالكتابة
وما بين المصطلحين تواصل وانفصال ، وكيف ، وهو يناور ويضلل ، ويذهب بعيدا
ويقترب ثم يغيب كليا تاركا القارئ لمصيره المجهول داخل بنية نص مشتبك ملتهب
تتداخل فيه الفضاءات بالفنون بعناصر الأشياء أزلها وأبدها معا ، لكني أظل
مطمئنة عليه لأني موقنة من جمالية الرحلة التي هو في شعابها ، حيث يهفو
ويفوح بأريج نشوة الإبداع ، حين يختلط الحبر بالعويل بوجع المخاض وخصب
الأنوثة :
له في كل عبارة
حبر وعويل
وله ( قالت الكلمات ) مع كل مؤنث
سرير وصهيل ....ص 98 .
هكذا تظل الكتابة / الإبداع مقرونة بالأنوثة ، ذلك مخاض ينتج فنا وهذا
مخاض يمنح الحب والجمال والدفء وينجب ، وبين الأمرين قال أهل الحداثة ومنهم
بارت وكرستيفا أواصر وتواصل ، وحينها تتعدد أدوات كتابة المبدع إذ سيكتب
هذه المرة بالصحراء وبالضوء ، فهل سيكتب الصحراء عدما معدما ، أم عدما
يبحث عن وجود لا يجده إلا في معاناة تحفر في الظواهر باحثة عن قيمة
الجوهر ، ليجده في ذلك الفضاء الممتد وسع حلم الإنسان الذي لا يعرف اليأس ،
ولا يرتضي إلا دفق الينابيع ، لكن هل سيحفظ الماء ما يكتب الشاعر أم
انه حلم الخلود بخصب الماء وقدرته على الانفلات من الفناء ، تلك القدرة
التي امتلكتها الأنوثة المخصِبةُ الخالدة وهي تتفلت من بين أصابع الشاعر
العاشق والمحروم في القديم من الزمن ، وبالصحراء الأنثى سيكتب الوجود الذي
انكتب بالأمس بها وفيها ، فالصحراء ليست فضاء جدبٍ حسب ، إنها بؤرة وجود ،
وبهاء جمال ، وأعمدة نور ذهبية تراقص الشمس لو شاء الشاعر رقصة الحرية
الفاتنة ، إنها تستمد دلالتها من مشيئة الشاعر الذي يوجه معناها ، فماذا
سينتج التحام الصحراء بالماء في الكتابة ، وكيف سيتداخل الضوء بسبورة
المساء إذ يتوقع المتلقي لهذين المكونين المتداخلين دلالة فعل ايجابية ،
لكن ما إن يواصل القراءة حتى يُفاجأ بالسلب يهيمن على فضاء النهاية : لا
أشاء ما أشاء ، لان الإرادة تتعطل حيث لا تَحققَ ، كون الأشياء التي
يريدها مكبلة المعاصم في كفوف الهباء تابعة ومنقادة ومقهورة :
وعلى وجه الماء سيكتب هذه المرة ، بالصحراء
وبالضوء
على سبورة المساء
سيكتب لا أشاء ما أشاء / فالأشياءُ ،
ما زالت معاصمها
في كفوف الهباء ... ص 98 . م / 25
إنه يسرد قصة الكتابة / الوجود المأزوم بالمشيئة المرهونة بالإرادة
التي هي المبدأ الحقيقي للفعل ، لأنها لا يمكن أن تظل محصورة في دائرة
التصور أو الفكر كونها وهي تفترض الحرية ليست سوى تحقيق للفاعلية الإنسانية
، فالإرادة تعبر عن طابع الخلق الذي يتسم به النشاط الإنساني ، وهي لذلك
تتطلب جهداً يُحقق ، ومقاومة ً تقهر ، وغاية تحصل ، وما يتحقق في الخارج
بفعل الإرادة من شانه دائما أن يغير من الذات كما انه يغير من شكل العالم ،
( 3 ) وكيف تتغير الذات الفاعلة ويتغير العالم اذا لم يكن الإنسان قادرا
على انتزاع معاصم الأشياء المبتغاة من قبضة الهباء المتحكمة بالمأمول ،
ولذلك لا بد للمتلقي وقبله القارئ الضمني أن يكون بمستوى قوانين اللعبة
التي يطرحها المبدع ، فالمبدع في محنة يعترف بفداحتها ، لأنه لا يكتب
بلغة بكر غير مأهولة ، ولا يكتب من هباء ، إنه يكتب بلغة تمتلك تاريخا
طويلا وتراكما شعريا هائلا ، لغة محّصها مَن قبلَه من الشعراء واستنزفوا
جمالياتها ، وهو مطالب بالرغم من ذلك بإزالة الركام عنها والعودة بها
للينابيع حيث ينهل ما صفا وراق كي يقتنع بالتحقق ويُقنع ، من هنا يؤكد
آيزر " أن جذور القارئ الضمني مغروسة وراسخة في بنية النص وان أي بنية نصية
تتطلع إلى حضور متلق ما دون ان تحدده بالضرورة " (4) ، فمواضعات الحياة
ذات الخبرات التواصلية في أفعال الكلام الاعتيادية تتحول في الأدب إلى عنصر
متغير لأنها تُنتزع من سياقاتها السابقة ويُحال بينها وبين وظيفتها
التنظيمية ، وتصبح هي في ذاتها موضوعا للتأمل وإنعام النظر ، ويطلق آيزر
على هذه المواضعات ما يصطلح عليه : برصيد النص وهي منطقة التقاء النص
بالقارئ ، مشروطة بكونها إستراتيجية لا تتسم بتنظيم شامل من اجل توفير دور
تنظيمي يقوم به القارئ ، فضلا عن كونها بنيات عميقة تكمن وراء كل التقنيات
السطحية التي تطفو على مكونات النص العليا ، وهي بنيات يجهد القارئ من اجل
الإمساك بما كان مدفونا منها داخل النص وما ليس بالإمكان أو المعتاد رؤيته ،
كونه بؤرة التأثير ومركزه (5) ، ولذلك يقول رعد :
تخطئ تخطئ إذ تقول
الشعر تنزيل وخاتم
في إصبع اليقين .. ص 181 .
نعم ، الشعر ليس تنزيلا جاهزا ، وليس هو هبة خالصة لكنه الكد والعذاب
والغياب الذي يسعى الشاعر لإحضاره بجهد ونصب ، ولذلك لا يقين في الشعر ، لا
يقين في الفن ، لا يقين في الكتابة الأدبية لأنها اليقين الجوهري للأشياء
كلها ، وللاحتمالات التي يمكن إجراؤها على المعنى وما فيه من مشروعية
الانفتاح ، وليس لما يُستسهل من الدلالة وما يقر من المباشرة في وعي
المتلقي منها ، لان الشعر هو فن الفنون الذي لا تؤديه الصفة ولا يقر قرارٌ
لتعريف جامع مانع له ، أو لإعلان عن مدى رحابته ، فالشعر لا يُدرك إلا
بتحققه في القصيدة ، لا يقين مع الشعر ولذلك لا وجود للكتابة مع السكينة
والنوم المطمئن ، فالكتابة قلق يقينه الوحيد هو مواصلة البحث عن قرار يركن
إليه ، لكن معضلته ولذته معا غائرتان في التوهم ، توهم الوصول إلى المأمول
، لكن الوصول دوما هو ذاته بؤرة لحركية جديدة ، اشتعال فانطفاء يؤول إلى
اشتعال عند الكبار من المبدعين ، كالحب العظيم تماما ، لا ينطفئ إلا ليشتعل
من جديد ، فهو معاناة توليدية تتناسل من كون الوصول ليس هو المأمول ، أو
انه في حالة حضور وغياب ، ولذلك تعاود المعاناة حضورها وتظل الوسادة قلعةً
حراسُها الدمع وأميرها القلق ، وهما سلطانان من نار ، لأن الشاعر مأزوم
بالخوف من لحظة الشعر المجهولة الطافحة بالعتمة المحاصرة بالغياب ، فكيف
السبيل الى اقتحام وسادة النوم :
أأظل أزين لنومي َ النوم َ
مع هذا القلق
لأكتب : المخدة قلعة
حراسها الدمع
وأميرها الأرق .. ص 106 .
يتجلى الوجود لدى الشاعر في الكتابة والحب ، والحب والكتابة وليدا
الحرية ، والعدم غيابهما ، التحقق بالحب والكتابة ، واللاتحقق بالانصياع
لهامشية الأشياء وهشاشتها ، بسبب فقدان الهامشية والأشياء وهج الروح خارج
الفن ، ولذلك فالكتابة وجع وكد وجهد من اجل التقاط الأشياء الصغيرة
المعتادة التي فقدت حيويتها بفعل تكرارها الذي غدا رتيبا ، والعودة بها إلى
منابتها الأولى كي تستعيد الحياة العارمة من جديد ، فمهمة الكتابة إذن هي
إضفاء الحياة على ما لا حياة فيه من أجل تفعيل ٍ أكبر للحياة نفسها وهي
تقاوم الإبادة والانفصال والتشتت كشفا عن طرائق جديدة تضفي حركية الخصب
والتألق عليها ، وإحكام طرائق تحقق الوجود فيها ، والعمل على معالجة
التوترات الحادة في الطريق الى تحقق الوجود :
من قال الكلام
طوعا يأتي إليه
حين يكتب
حتى أصابعه تفر من يديهْ .. ص 104
الكتابة وجع لا يجتاح الروح حسب ، بل هو عذاب يزلزل الجسد كذلك ، حتى تفر
الأصابع من يدي الشاعر ، هاربة من حيرة الاختيار وهيبة الفعل ، فاللغة هي
المعاجم المتاحة للجميع ، وهي القواعد الخاصة بكل لغة والمتاحة للاستعمالات
العامة ، لكن الكلام هو النشاط الفردي الخاص الذي يؤديه الإنسان كلٌّ حسب
ذوقه واختياره ومعارفه ومرجعياته داخل المنظومة وهو يستعمل هذه اللغة ،
ليكون الإبداع الأدبي هو الأخص في ذلك الاختيار ، والأكثر حاجة إلى الجهد
والفرز والتأني المرتكز على مفاهيم جمالية نابعة من منطلقات عصرها ومنتمية
لمنظومات لا تفرط بأي من سمات المعادلة الفنية الصعبة في تحقيق القيمة
والجمال معا ، مما يؤكد ضيق أفق الفكرة القائلة " إن كتابة الشعر لا تعدو
انتظار عرائس الإلهام التي تجلب البساط السحري إلى برناسس ، أو أن يذهب
الإنسان في حالة غيبوبة حيث ينتج اللاشعور أعمالا فنية مكتملة ( .... ) من
هنا تؤكد الزابيث درو أن ثمة ثنائية توجد بالضرورة في أساس الخلق الشعري
وفي اي تحليل يتصدى له ، فللشاعر طبيعتان ، إنسانية وفنية والشعر ينبع من
مصدرين ، من جبرية غامضة تكمن في اللاوعي ، ومن تنظيم صناعي تام الوعي ،
فهي عملية تختلط فيها الحياة باللغة ويتراوح فيها المعنى والمبنى ويلعب
فيها كل من التنقيح والطبع دورهما " ( 6) تلك هي المعادلة التي يتوازن
عندها الفن ويعم فيه الانسجام : الموهبة وجهد المعرفة وإتقان الصنعة :
سأنسى يا سكين كتابة هذا القلق
انك حقا قد ثرمت لي
أصابع الياقوت
على هذا الورق ص 108
الكتابة وجود يعبر عن عذاب ، وحين يكون هذا العذاب سكينا تثرم أصابع
الياقوت الذي يتسم بالصلابة / الكلام / الكتابة على الورق ، فأنه سيغدو
أقسى أنواع الوجع ، لأنه وجع يبحث عن حلم مطلوب غائب ، إنها بحث عن حقيقة
الوحدة المنسجمة والمطمورة وراء اصطراع التناقضات وهي تنقص الأرض من
أطرافها ، وتعود لتمنحها زخرفها العارم لتزّيّن من جديد ، والشاعر يعاني كل
تلك التوترات ليكون جديرا بالكتابة / الوجود ، ولذلك فهو يدرك أسباب حزنه
ويعيها حين يعرف أنه يقاوم العدم ساعيا إلى تأثيث الوجود المأزوم والمهدد
بالفناء دوما بمسرة الحضور في أعماق الغياب :
فلنكتب ورقة
وندحسها في جيب الهواء
ورقة تقول :
عربات السعادة
لا تجرها إلا كآبة الشعراء .. ص 101 .
إن التأكيد على فعل الكتابة بكل الضمائر ، المتكلم أكتب ( أنا ) ،
المتكلمين ، نكتب ( نحن ) الغائب يكتب ( هو ) إنما هو تأكيد على فعل الوجود
بالكتابة ، وإشارة إلى تلاحم الضمائر كلها متماهية للدفاع عن هدف واحد هو
الذود عن الحياة ، والفعل ( ندحسها ) يؤكد سرية الاشتغال الشعري في عالم
استهلاكي متهرئ لا يؤمن بالعلاقة لأنه مأخوذ بالمسافة التي ابتلعت حياته
ومشاعره وأجمل أحاسيسه ، ورفعت سلطان الأشياء التي اجتاحت سعادته ، ولذلك
لم يبق له غير المعاناة عبر مفارقة حادة تصل بين الأضداد وصلا فنيا ،
لتنتصر للسعادة التي تصنعها وتدفع بها إلى الأمام مكابدة ُ الشعراء وهم
يمنحون العدم الجاثم على الحياة وجودا يسعدهم بلحظة التواصل ويسعد الآخرين :
فلنكتب :
ما أجمل
ما أوحش هذا المفرد
حين يتمتم
او يتململ
يهتز من المسك المعنى
وتصير الكلمة معبد . ص 105 .
لكن هذا المفرد سيظل موحشا بالوحدة والانفراد حتى إذا ما انضوى بين أقرانه
في التركيب زالت الوحشة وبدأت التمتمة والتململ حينما يبدأ حوار المفردات
مع بعضها وانتماؤها إلى بيئتها الجديدة في الكلام ، حيث يفوح عطر المعنى ،
اذ يتم الإفصاح بتمام التشكيل ويجتمع الجمال بالقداسة فيكتمل البهاء حين
تصير الكلمة في الكتابة الشعرية معبدا ، فمغزى الكلمة وإن كان يعتمد على
بيئتها ( تركيبها ) حسب جاكوب أو بعبارة أخرى هو يعد الكلمة مثل قطعة طمي
عديمة الشكل نسبيا ، لكن يمكن أن تصب في شكل محدد بضغط الكلمات التي تحيط
بها ( 7 )، أقول بالرغم من أهمية التشكيل وأثره في إنتاج المعنى إلا أن
الشاعر يمنح الكلمة مجدها الذي يليق بقدرتها على التحويل الإبداعي
بالاختيار وبإطلاق المعنى عبيراً للكينونة ، إذ تتحول الكلمة عبر صيرورة
الفن إلى معبد ، فالفعل " يهتز " إذ نعاينه في القاموس لا يبدو محايدا بشكل
كلي ، ولا هلاميا لأن حركيته ملازمة له ، وكذلك مفردة المسك تظل تحمل
عبيرها ، وكذلك المعنى وما يبث من إشعاع ، لكن هذه المفردات حين تتشكل أو
تُنسج معا بهذه الصورة تدخل في جو صوفي يشتعل بالعطر الذي يؤجج وجد المعنى
فيهتز الهزة الصوفية ولهاً ولهفة ًوسموا نحو اللطائف ، وعلى هذا الأساس
يمكن القول ان الحياة تتواصل تواصلها الخلاق قبل الحراك العلمي والمعرفي
عموما - عبر الفن وحده ، ومن خلال الشعر بشكل خاص كونه خالق التوازن
والانسجامات الهادفة إلى مؤازرة الإنسان في منحه القدرة على احتمال محنة
الحياة والصبر على مكابدتها إن لم يكن متاحا له الفرح بها والمتعة فيها ،
والأهم من ذلك أن يترك فيها أثرا يداوي رحيله ، وحضورا يعالج غيابه ، وسلوى
تأسو فقدانه الذي ظل عبر التاريخ البشري مصدر شعور باللوعة والخسائر غير
المنظورة لأنها أسئلة أعيت كل محاوريها ، وفضيلة الشعر انه الفن القادر على
استشراف دواخل الإنسان وتفكيك عقد مساءلاته المستعصية على الحل ليس
بالأجوبة الناجزة ، بل بابتكار المزيد من الأسئلة الخلاقة ، واستخلاص ما
هو مُجدٍ من ارث ماضيه لتوظيفه محركا بما يمتلك من طرائق الترميز والتقنع
والتضليل والتشويش والتركيز وتكثيف ما يطول شرحه مختصرا عذاب الإنسان كله
في مكونات مكثفة :
كلما علت السقوف
ازدادت الأرض إطراقا
وزينت بآثارها
متحف هذي الرفوف.. ص 107
ولذلك كانت الكتابة من أنجع سبل الخلاص الإنساني ، إنها المقاومة التي تقف
بوجه المأزوم من حياة الإنسان والمفزع في مجهول مستقبله ، إنها دليل
استمراره وتواصله ، وهي إذ ترتبط مع القراءة ارتباطا وجوديا فلتلازمهما معا
، لان الكتابة كلها قراءة في نصوص ، والقراءة كلها كتابة في نصوص ،
فالقراءة تقول والكتابة تدون ، وهما لا تحدثان من خلال زمن تعاقبي لأنهما
آنيتان ومتداخلتان في الوقت نفسه ، فهذا الارتباط يمكن له أن يحقق الفعالية
التي يختزنها الفعلان ليتجسدا في فعل واحد هو فعل المتعة . (Cool
سأزين إذا للبلاد المهب
وهذا الهباء والغبار / يالكتابة – الكآبة
أبدا ذئبي الكلام
أظل أطلقه من قفص الأصابع
وأهجم
اهجم به على الأيام ...ص 128.
نعم ، الكلام ذئب الشاعر ، لأنه أداة مقاومته ، إنه النشاط الخاص المعبر عن
موقف خاص ، فهو منجز الحرية الأبهى ، وما دامت الحرية مصدر خوف القائمين
على استمرار القهر وهيمنة الاستلاب فكلام المبدع تهديد ، إنه كلام ينطلق من
خلال القيود – قفص الأصابع – لا تعيقه العوائق عن أداء مسؤوليته ، ولذلك
فإن مهمة المثقف والمبدع باقتدار هي إزعاج السلطة حسب سارتر ، من هنا يأتي
تهديد رعد فاضل بأنه لن يدعو للثورة حسب ، بل سيزينها للبلاد ، ملوحا
بالكتابة / الذئب للهباء والغبار الذي تثيره دعاوى الأدعياء وهم يضللون
بالكذب فضاء الإنسان ، من هنا يعلن الشاعر عن شروعه بالمناورة التي سيهاجم
بها الأيام ، والسين تستعمل لمستقبل قريب قد يبدأ من لحظة الحاضر، فلا
سلاح للشاعر غير كلماته التي يدججها اثناء الكتابة بشتى أنواع المعارف
والإرادات التي تعد عوامل إيجاب لتتمكن من مقاومة عوامل السلب وتحدي الزوال
، ورعد في مواجهة مفهوم الكتابة وتحديد موقفه منها مبدع صوفي كثير التقلب ،
دائم الانفلات من قيود التحديد والتعريف ، ولذلك تتحول الكتابة عنده من
شكل إلى شكل ومن وصف إلى آخر ، فهو دائم البحث عن ماهيتها ، لا يقر له قرار
في وصف تجلياتها ، ولا يقف بها عند حد ، لا يضاهيها لديه شئ غير الحب
لأنه مثلها عصي على الوصف والتحديد ولأنه شقيقها في الابتكار كونهما منجزي
الحرية المبدعة وهي تفصح عن ذاتها في أبهى جدليات الكون رونقا وجلالا ،
والكتابة مثل الحب تظل في جدل مع الحقيقة إذ يسبغ التخيل الضروري على الحب
نوعا من اللاعقلانية ، لكن عن طريق التشوف للحقيقة والبحث عنها يندمج الوعي
والحب في صيرورة تتجلى باطراد على أساس التغذية المتبادلة بينهما (9 ) من
خلال اشتباك يظل مفعما بالجدة والتنقل الدائم ليس من اجل الجديد حسب ،
لكن من اجل الخلاص من محنة الانفصال التي تكابد فيه الروحُ فقدانا يضطرم
بحنين مفعم بالأسى والاغتراب :
هذا قديم / وذاك قديم
فلأقل : لا تخيّم في حلم مرتين
ولا تكتب في جمال ، أو هول
أو هيْبٍ جملتين .
اتخذ الريح عشيقة
والغابة مخدعا ،
وقل : أنا ليس لي نديم . ص 97 .
وعبر منهج رعد في الاشتباك وتلاحم أفعال القول والكتابة والكلام
مستعينا بالصوت والقلم معا ، غير آبه بتنظيرات سوسير ولا انحيا زات جاك
دريدا ، لأنه مؤمن بما يشاء من ارتحال دائم حتى وهو يحلم ، لا مفر من
مغادرة الحلم الأول إلى ثان وثالث ، ففي ذلك يكمن التغاير والاختلاف
الذي يسعى وراءه المبدع ، هكذا بالتطلع الدائم نحو الجديد ، يعدو الشاعر
وراء أحلام تتجدد ، وأشكال تتنوع كي لا يقع بالتكرار الذي يؤول به إلى
البرود والرتابة والسكون فالتلاشي ، وبهذه الحركية الفنية المفعمة بجمال
يافع ، يكون الشعر فاعلية لغوية متضاربة ومشحونة تتسع لكثير من الافتراضات
، ولأنها تتسم بالانفتاح والرحابة ، فهي قادرة على استيعاب فضاءات مفتوحة
النهاية وتناقضات تنسجم وهوى الشاعر في اعتناق الحرية والتحرر من ثقل أعباء
المفروض والمنطق ، كما أنها قادرة على احتواء أزمنة وأمكنة ووقائع لا
يحدها قيد ولا تصدها عوائق ، وحتى يتحقق له ذلك فليس غير الريح صالحة لتكون
عشيقته ، وليس غير الغابة من مخدع ، الريح بطلاقتها وما تتصف به من هياج
على عكس الرياح التي تبشر بالغيث والاستقرار الذي تتطلبه الزراعة وانتظار
القطاف ، الريح متمردة ثائرة لا ترسو على هدف ولا يقر لها قرار، والغابة
فضاء الطبيعة الأخضر المشتبك بالخصب تلقائيا ، إنه يرفض كل ميراث الحضارة
المعاصرة التي وعدت الإنسان بحرية زائفة استنزفت طاقته وهددت حياته بشرور
ماديتها التي ذبحت حلم روحه بالأمن والأمان ، وبذلك يتخلص الشاعر من ثقل
واقعه ، وتأزم لحظته المعيشة منسربا من حدودها الى عالم الشعر المفتوح
وزمنه الرحب الذي يوفر له الخروج من عالم التهافت وراء الأشياء والغياب معا
، إلى وجود مفترض يمارس فيه حياته كما يشاء متحررا من المنطق واشتراطاته ،
ومن قيود الجماعة التي غدت أعرافا مفروضة عليه ، ولذلك غالبا ما تبدو
شخصيته وهو يمارس حريته شخصيةً ًمركبة متضاربة الدوافع ، متنازعة الأهواء ،
تعيش تناقضاتها بحرية دون رقابة ولا تعليل ، من هنا يبقى الشعر خلاصا
ومخلصا من التناقضات الداخلية لأنه يفرغها في القصيدة ، ويخلّص الإنسان من
معاناة القبح المحيط به في الواقع حسب كرستيفا إذ يحول القبح إلى جمال حين
يعيد تشكيله في القصيدة ، وقد يقف الشاعر حائرا بمكابدته أمام ماهية
الكتابة فيعبر عنها بأشكال مشتبكة :
كل ليلة
تنكب على أذنيه وحوش
تلقنه ما لا يلقن
فلأقل : شعره مقبرة
وأصابعه نعوش ... ص96 .
فما هذا الخيال المأزوم المركب الذي يصور عملية الكتابة تصويرا معقدا ،
وشديد العنف والأسى ..وحوش ومقبرة ونعوش ..؟ أليس ذلك دليل معاناة تشتد
ساعة ميلاد القصيدة ..؟ وما تأكيده بأسلوب القصر - النفي والاستثناء -
إلا تأكيد لحيرة صوفية لا تعرف كيف تصف ما يجلّ عن الوصف ، ثم ما ماهية هذه
الوحوش التي تلقنه القول ، ألم يقل قبل قليل إن شعره لا يأتيه طوعا بل كدا
ومعاناة ، ولماذا شعره مقبرة ، ألأنه يحمل الى الورق أحلاما ما كان لها أن
تتحقق فماتت بفعل ظروف قاهرة ، أم هي تحمل هموما ليست كالهموم في
مرجعياتها التاريخية والاجتماعية والوطنية ، وهنا تصير الأصابع نعوشا في
تشبيهات بليغة استغنت عن أركان التشبيه الأخرى مكتفية بتلاحم المشبه
بالمشبه به ، مضللة وجه الشبه للقارئ مما يوسع أفق القراءة بغموض الإيحاء ،
أم أن شعره قد حوله فعلُ فاعل قامع متوحش إلى مقبرة ، بينما يصر هو
بمرجعيته الدينية على البعث بعد الموت لتنهض أحلامه من رمادها كالعنقاء ولو
بعد حين ، وما إصرار رعد على ان أصابع الشاعر نعوش وأقفاص وشعره مقبرة
مظلمة وفضاء خوف وهول إلا تأكيد على مجهولية الأجواء التي تولد بها
القصيدة حتى لكأنها صرخة في ظلام ، لكنها صرخة تعاني في عسر ولادتها
وانكشافها الأول :
ما أصابعه
حول فرائسه الكلمات إلا أقفاص
فلأقل : الجهات أنا
وأنا لها قنباص ...ص 96 .
إنها عملية صيد مرهقة ، تحتاج إلى دقة وانتباه وملاحقة ، وتحتاج الى عملية
مجاهدة ذاتية هي مقاومة أقفاص الأصابع لاختيار ما يناسب حاجته من الفرائس /
الكلمات ، وما تتطلبه التجربة التي يعانيها ، حتى ليحسّ أن فضاء الكتابة
إنما هو ساحة اعتراك محتدمة ، الفرائس / الكلمات تعدو ، وهو يسعى وراءها
ليتناول منها بأطراف أصابعه ما يلائم تشكيله ، ولذلك يحار الشعراء أمام
كتابة القصيدة ، أهم الذين يكتبونها أم هي التي تكتبهم حين تكتب نفسها بهم
ومن خلالهم ، أهم الذين يكتبونها أم هي التي تقرؤهم إذ تعبر عن أعمق
اللحظات في ذواتهم ، أمام هذه الحيرة التي يحسها المبدع يقول رعد مؤكدا وقد
حسم الأمر :
قبل
قبل أن تكتبها
تقرؤك الكلمات ............. ص101 .
لأنها تستمد جذوتها من استكشاف الأغوار الدفينة المندثرة في أعماق الشاعر ،
وكلما كانت مقتدرة ومضيئة وخلاقة تمكنت من التقاط كل ما هو جوهري ونابض
لتحوله إلى بنية جمالية رمزية قادرة على الانفتاح والانتشار ، فالفن هو
جوهر المعرفة المضئ الذي يقاوم بنية الشتات التي تجتاح الإنسانية المعاصرة
محاولة تشكيل بنية استقرار ولو رمزية وسط الخراب ، فالانتماء هو وحده شارة
الخلاص ، ولذلك كان الاغتراب وسيظل يشتغل في حقلين سلبي بالانفصال عن الذات
والمجتمع وهو أمرُّ أنواع الاغتراب استلابا ، لأنه السقوط باليأس والعبثية
والضياع ، وايجابي بالانفصال عن المجتمع المتخلف ومنظوماته البالية
والانتماء إلى الذات ومنظومة قيمها الفاعلة الهادفة إلى بناء الذات
والمجتمع من جديد ، والشاعر الذي يعي رسالته يدرك انه ينتمي لمنظومة قيم
النور لاستعادة الحياة وخصبها من جديد مؤكدا بالاستفهام الموحي
بالاستمرارية المتأتية من تناسل أنثوي يبشر وينذر :
أكلما تأوي الحروف
إلى بعضها
لا تنجب إلا أنثى
تظل تدعى الكلمة .... ص100 .
ومع حضور الأنثى / الانبثاق الدائم تظل الكلمة مفتاح الحياة لأنها : اليدء ،
ولأنها : إقرأ ، ولأنها غد الإنسان الذي يرفض إلا أن يصنع قراره بذاته ،
ويشكل قدره بقبضتيه .
بقيت ملاحظات أخيرة لا بد من الإشارة إليها ونحن نتجول في تجليات
مخطوطة المحنة ، الأولى هي إيقاع المقطعات الذي اتخذ لنفسه طابعا خاصا
يتنقل بحرية مابين الوزن والخروج ، إنه يلعب بمهارة على كسر التوقع فما
نلبث أن نستقر على التفعيلة سطرين أو أكثر حتى يفاجئنا الإيقاع الوزني
بالتمرد ليخلق إيقاعه الخاص به ، والذي ينم عن مقدرة حين يتشكل ظاهرة في
المجموعة ، فهو يستسلم للوزن مرة كما فعل مع المقطوعة ( 48 ) ص 105 مثلا ،
التي سبق الحديث عنها ، والتي جاءت على المتدارك ، وتمزج المقطوعة ( 36 ) ص
101 بين تفعيلة المتدارك والنثر في النمط المختلط ، وكذلك يفعل في
المقطوعة ( 25 ) ص 98 ، وقد يشكل رؤيته بالنثر المكثف فقط مبتكرا داخل
الرؤية إيقاعها الخاص ، فرعد كالصوفي لا يأبه كثيرا بأطر النمط الواحد
الصارمة ، ولنقل إنه لا يأبه بتنميط ما يكتب ، سواء كان نصه شعرا بوزن تام ،
أم قصيدة نثر أم نص مختلط ، قدر اهتمامه بشعرية ما يكتب ، او لنقل قدر
اهتمامه بالكتابة في صميم شعرية مشتعلة بالحرية ، مأخوذة بدهشة الإبداع ،
فشعراء قصيدة النثر اليوم وأهل النثر الفني أفادوا من كل منجزات الشعر
ووظفوا كل الخبرات التي أنضجها الشعراء لصالح كتابتهم مادام النثر يتسم
بالمرونة التي تؤهله لاستيعاب تقنيات الشعر المختلفة ، متداخلة بتقنيات
الفنون والأنواع الأخرى ، والشاعر في هذه اللعبة التي يعدها جنونا ، يدرك
قوانين اللعبة وقوانين جنونها معا ، يدركها بإتقان يعي أن أي لعبة فنية ،
أو جنون فني لا يمتلك قوانينه يتحول إلى عبث وفوضى مآلهما السقوط والتلاشي ،
ولذلك نجد في الديوان اهتماما بالمفاتيح كما نجد التركيز في ولع
البدايات ووقع النهاية ، فحتى الحرف لديه يشتغل بسرية حركية مغرية ، فنحن
إذ نتابع المقطعات نلحظ ما في حرف الواو الذي يبدأ به الكلام من كثافة
سردية تختزن وتلخص زمنا وحدثا مسكوتا عنه قد يكون طويلا ، لكن الشاعر
يختزله بهذه الواو التي توحي بما لم يشأ المبدع قوله لكنه يُلمح إليه لأن
غيابه أبلغ من الاستطراد به :
والكتابة في مثل هذا الظلام
ساحة للجنون
فالمعاني تطاردها الكلمات
ودم الطرائد حبر الكلام
وأصابعنا
وحدها اللاعبون .... ص 93 .
والملاحظة الثانية تتعلق بالقافية أو الفواصل ، أو السجعات التي يعي
الشاعر أهمية دورها في تحقيق النغم وقدرتها على تثبيت الإيقاع والدلالة معا
، وإذا كان الهجوم الذي شنته ثورة شعر التفعيلة وبعده قصيدة النثر على
القافية كان يقصد هز أركان النمط القديم وتأسيس فعل فني جديد يحتاج إلى دعم
تنظيري مؤازر يرفض أي قيد مفروض على الشعر ، فإن مفردة – مفروض - هنا
قادرة على الكشف عن هدف ما أود قوله من أنه ليست كل قافية قيدا ، إنما
القافية المصنوعة التي يؤتى بها فقط من اجل التوافق الصوتي وتثبيت النظم
القديمة هي وحدها التي تظل مفتعلة وعبئا ثقيلا على النص ، فالقافية ليست
مجرد تكرار او تجانس صوت بعينه ، إنها وسيلة لإبراز الإيقاع وتأكيد الدلالة
وإحداث التوازنات التشكيلية في النص ، وهي التي تهب البيت او السطر وحدته
، وتتيح له أن يدخل - دون أن ينحلّ - في مجموعة معقدة من المقطعات
والقصائد معا ، فهي أداة تنظيم فنية ، وإذا كانت القصيدة المرسلة بلا قواف
لا تخلو من الانسجام ، فانه انسجام غامض تُدخل عليه القافية نظاما فنيا
يغمره بالنور ويشد أجزاء القصيدة ببعضها ، ويوفر لها فتنة جمالية ، فضلا
عما يضفيه تنوع الحروف الصوتية من تنوع للجرس الخاص بكل حرف من لذة موسيقية
شبيهة باللذة التي تحدثها الآلات الموسيقية وهي تتضافر لإنتاج الاوركسترا (
10 ) ، ذلك كله كان مدركا جماليا واضحا في مشغل رعد فاضل فقد أفاد من
جماليات القافية / الفاصلة / السجعة فائدة قصوى عبر نصوص المجموعة ، ففي
المقطعة الأخيرة نجد الظلام يستدعي الكلام ، والجنون يستدعي _اللاعبون ،
وفي النثر الخالص يلجأ لسجعات تقوم مقام القوافي كما في : وحوش ونعوش ، إذ
لا يأبه باختلاط الأمر ما بين وزن ونثر ولا بتداخل الفنون ببعضها ولا بقيام
القصيدة أحيانا على الرؤيا وحدها بلا وزن ولا هندسة إيقاعية ، حين يشتغل
على تكثيف اللغة وإطلاق الدلالة :
من انكبابه
على خياطة جرح زمانه ابيضت عين إبرته
فالتفّت
على معصميه الخيوط ْ ..ص 96 .
فهذا التشكيل المتداخل بكثافة الرؤيا وغلائل الغموض والتفاف النص بالحجب
والغياب ، والتناص الخفي مع عيني النبي يعقوب اللتين ابيضتا من الحزن
والفقدان ، هو الذي يغري القارئ بالوقوف مليا لاستنطاق تشظيات المعنى ،
وفرز الخيوط الملتفة على معصمي الشاعر مقيدا و مكابدا ، أو على معصمي زمنه
المقهور، والبالغ الجرح ، لا فرق ، فحين يغيب الوزن والقوافي والسجعات معا
تحلّ الرؤيا واللغة المبأرة لتعوّض القارئ بما يدفعه للتأمل ، فمدونة رعد
تتداخل فيها الأضداد والفنون والأنواع ، ويتداخل فعل القول بالكتابة
والصوتي بالمدون ، والشعري بالسردي ، حتى نجد الحوار المقطوع في حضور دائم
وكأنه تعبير عن شخصانية متوحدة ومستوحدة معا ، تعبر عن غياب الآخر الحميم
الذي يتفاعل في الحوار وينفعل ويستجيب ويقول ويواسي ، ونرى هذا الحوار يقف
في منطقة غامضة بين المونولوج والديالوج ، فلا نميز تماما أهو يحادث نفسه
في إعلانه : أكتبُ ، فلأكتبْ ، أم يحاور الآخر في إعلانه : أقولُ ، فلأقلْ ،
لنقلْ ، مما يجعل من الكتابة فعلا تحريضيا محتدما ضد الحدود المكبلة
للمبدع وضد القارئ الذي يجهد من اجل الوصول الى منطلقات النص والى هدفه
ومغزاه معا ، وهو في ذهابه وإيابه يحاول مثابرا إتقان الفعل في عملية
التلقي داخل اللعبة ذاتها ، مدركا أنْ ليس للأشكال الفنية أي نوع من
الاستقلالية كونها ملتحمة بمضامينها ومعبرة عنها .
إن الحرية في اللعبة الجمالية المسؤولة بوعيها المعرفي هي التي يحتاجها
التجريب الفني ليكون أمينا في المحاولة ، وقادرا على الاستمرار ،
فالتجريب مطلوب ومشروع حينما لا ينهمك بالشكل وحده ، ولا يُسلم أمره
للشكلانية كليا ، فليس يسيرا أن يختلط الوزن بالنثر والموسيقي بالسردي
والقافوي بالمرسل ، وتتقاطع الأصوات بمختلف صيغها ، وتختلط الوقائع
وتتناقض المشاعر ، ويظل العمل مشتملا على فن مركب وهندسة واعية ورؤى أصيلة .



الهوامش والمصادر :
1- مخطوطة المحنة ، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق ، 2010 .
2- ديوان محمود درويش ، المجلد الثاني ، 637 ، دار الحرية ، بغداد ، ط 2 ، 2000 .
3- مشكلة الحرية د. زكريا ابراهيم ، 146 ، مكتبة مصر ، ط 3 ، 1972 .
4- نظرية التلقي ، مقدمة نقدية ، روبرت هولب ، ترجمة د. عز الدين اسماعيل ، 205 ، النادي الأدبي الثقافي ، جدة ط 1 ، 1994 .
5- المصدر نفسه ، 208-211 .
6- الشعر كيف نفهمه ونتذوقه ، الزابيث درو ، ترجمة ، محمد ابراهيم الشوش ، 24-25 ، منشورات مكتبة منيمنة ، بيروت ، 1961 .
7- مقدمة في الشعر ، جاكوب كرج ، ترجمة رياض عبد الواحد ، 58 ، دار الشؤون
الثقافية العامة ، الموسوعة الصغيرة (5 ) ، بغداد ، ط 1 ، 2004 .
8- الكتابة الثانية وفاتحة المتعة ، منذر عياشي ، 5-6 ، المركز الثقافي العربي ، ط 1 ، 1998 .
9- ديالكتيك العلاقة المعقدة بين المثالية والمادية في الرؤيا والمقدس
والمعجز والعقلاني ، عزيز السيد جاسم ، 226 ، دار النهار للنشر ، بيروت ،
1982 .
10-مسائل فلسفة الفن المعاصرة ، جان ماري جويو ، ترجمة وتقديم د. سامي الدروبي ، 176- 178 ، دار اليقظة العربية ، بيروت . د.ت .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://afac32.yoo7.com
 
قراءة في أبجديات رعد فاضل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جيل المستقبل :: منتدى التعليم :: التعليم الثانوي :: كتب عامة-
انتقل الى: